من فضلاء الصحابة وفقهائهم، وكان صادقًا مع الله، ورعًا زاهدًا مجاب الدعوة، يتفانى في حب الله ورسوله، كثير البكاء والخوف من الله، وكان يردد: يا ليتني كنت رمادًا تذروه الرياح، ويروي أهل البصرة أنه كان يرى الحفظة، وأن الملائكة تسلم عليه، وهي درجة عالية من العبودية والقبول، لا تتأتى إلا للربانيين من عباد الرحمن.
أسلم قديماً هو وأبوه وأخته، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام والجهاد، وغزا عدة غزوات، وكان صاحب راية خزاعة في فتح مكة، وكان ينزل ببلاد قومه ثم تحول إلىالبصرة إلى أن مات بها.
هو عِمْرَان بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم بن حذيفة بن جهمة بن غاضرة بن حبشية بن كعب بنكعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الخزاعي الكعبي، وكنيته أبو نُجَيْـد بابنه نجيد بنعمران.
أبكى النبي:
كان لإسلام أبيه قصة أبكت النبي صلى الله عليه وسلم، يرويها عمران فيقول: إن قريشاً جاءت إلى أبيه الحصين قبل أن يسلم، وكانت تعظمه، فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه، حتى جلسوا قريباً من باب النبي، ودخل حصين فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أوسعوا للشيخ، وعمران وأصحابه متوافدون، فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرهم، وقد كان أبوك (يقصد جده عبد المطلب والعرب تقول على الجد أب) جفنة وخبزاً، وكان خيراً لقومك منك، فقال صلى الله عليه وسلم: يا حصين إن أبي وأباك في النار، يا حصين كم تعبد من إله؟ قال: سبعاً في الأرض، وواحداً في السماء، قال: فإذا أصابك الضر من تدعو؟، قال: الذي في السماء، قال: فإذا هلك المال من تدعو؟، قال: الذي في السماء، قال: فيستجيب لك وحده وتشركهم معه؟، أرضيته في الشكر؟ أم تخاف أن يغلب عليك؟، قال: ولا واحدة من هاتين، قال: يا حصين أسلم تسلم، قال: إن لي قوماً وعشيرة فماذا أقول؟، قال: قل اللهم إني أستهديك لأرشدَ أمري، وزدني علماً ينفعني، فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم، فقام إليه عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بكى، وحين سئل عن بكائه قال: بكيت من صنيع عمران، دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه عمران، ولم يتلفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقه، فدخلني من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فشيعوه إلى منزله، فلما خرج من سدة الباب، رأته قريش فقالوا صبأ، وتفرقوا عنه.
فقيه البصرة:
كان عمران فقيهاً، تعلم العلم في مدرسة النبوة، ما جعل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرسله إلى البصرة ليُفَقّه أهلها ويعلمهم، الذين أقبلوا عليه يتعلمون من علمه، ويستضيئون بتقواه،فبذل العلم للناس، وأخذ عنه العلم كثيرون، وكان الحسن البصري ومحمد ابن سيرين ( وهم من فقهاء البصرة) يقولان: ما قدم البصـرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد يَفضلعمران بن حصين، وقد كان فطناً سريع البديهة، دامغ الحجة، ويروي حبيب بن أبي فضالة المالكي فيقول: لما بني المسجد الجامع، قال: وعمران بن حصين جالس فذكروا عنده الشفاعة، فقال رجل من القوم يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا بأحاديث، ما نجد لها أصلاً في القرآن، فغضب عمران وسأل الرجل: قرأت القرآن؟، قال: نعم، قال: وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثاً، وصلاة العشاء أربعاً، وصلاة الغداة ركعتين، والأولى أربعاً، والعصر أربعاً؟، قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا الشأن؟، ألستم أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم؟، أوجدتم في كل أربعين درهماً درهمٌ؟ وفي كل كذا
























